محمد بن جرير الطبري

47

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

المصحف الذي جمعهم عليه . وعزم على كل من كان عنده مصحف مخالف المصحف الذي جمعهم عليه أن يحرقه . فاستوثقت له الأمة على ذلك بالطاعة ، ورأت أن فيما فعل من ذلك الرشد والهداية ، فتركت القراءة بالأحرف الستة التي عزم عليها إمامها العادل في تركها طاعة منها له ونظرا منها لأنفسها ولمن بعدها من سائر أهل ملتها . حتى درست من الأمة معرفتها ، وتعفت آثارها ، فلا سبيل لاحد اليوم إلى القراءة بها لدثورها وعفو آثارها وتتابع المسلمين على رفض القراءة بها ما غير جحود منها صحتها وصحة شئ منها ، ولكن نظرا منها لأنفسها ولسائر أهل دينها . فلا قراءة اليوم للمسلمين إلا بالحرف الواحد الذي اختاره لهم إمامهم الشفيق الناصح ، دون ما عداه من الأحرف الستة الباقية . فإن قال بعض من ضعفت معرفته : وكيف جاز لهم ترك قراءة أقرأهموها رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وأمرهم بقراءتها ؟ قيل : إن أمره إياهم بذلك ، لم يكن أمر إيجاب وفرض ، وإنما كان أمر إباحة ورخصة ، لان القراءة بها لو كانت فرضا عليهم لوجب أن يكون العلم بكل حرف من تلك الأحرف السبعة عند من يقوم بنقله الحجة ويقطع خبره ( 1 ) العذر ويزيل الشك من قراءة الأمة . وفي تركهم نقل ذلك كذلك أوضح الدليل على أنهم كانوا في القراءة بها مخبرين ، بعد أن يكون في نقلة القرآن من الأمة من تجب بنقله الحجة ببعض تلك الأحرف السبعة . فإذا كان ذلك كذلك ، لم يكن القوم بتركهم نقل جميع القراءات السبع تاركين ما كان عليهم نقله ، بل كان الواجب عليهم من الفعل ما فعلوا ، إذ كان الذي فعلوا من ذلك كان النظر للاسلام وأهله ، فكان القيام بفعل الواجب عليهم بهم أولى من فعل ما لو فعلوه كانوا إلى الجناية على الاسلام وأهله أقرب منهم إلى السلامة من ذلك . فأما ما كان من اختلاف القراءة في رفع حرف وجره ونصبه ، وتسكين حرف وتحريكه ، ونقل حرف إلى آخر مع اتفاق الصورة ، فمن معنى قول النبي ( صلى الله عليه وسلم ) : " أمرت أن أقرأ القرآن على سبعة أحرف " بمعزل ( 2 ) ، لأنه معلوم أنه لا حرف من حروف القرآن مما اختلف القراءة في قراءته بهذا المعنى يوجب المراء به كفر المماري به في قول أحد من علماء الأمة . وقد أوجب عليه الصلاة والسلام بالمراء فيه الكفر ، من الوجه الذي تنازع فيه المتنازعون إليه وتظاهرت عنه بذلك الرواية ، على ما قد قدمنا ذكرها في أول هذا الباب .

--> ( 1 ) في نسخة : " حبرة " بدل " خبره " . ( 2 ) يعني بمعزل عن قول النبي ( صلى الله عليه وسلم ) .